صديقي يا الله، لم أتعلّم أن أناديك هكذا من كتاب، ولا من درسٍ محفوظ، ولا من خوفٍ قديمٍ يسكن صدور الناس. تعرفتُ عليك في المسافة بين السؤال والدمعة، في اللحظة التي لا يملك فيها العقل إلا أن يعترف بحدوده. أنا لم أستطع يومًا أن أؤمن بك لأن الجميع يؤمن. ولم أستطع أن أتبع طريقًا فقط لأنه معبّد بكلماتٍ مقدّسة. كنت دائمًا أسأل، أدقّ على الأبواب المغلقة، أفكك المعاني كما يفكك المهندس آلةً معقّدة، أبحث عن العطب، عن الثغرة، عن التناقض. كنت أظن أن الشك يبعدني عنك، ثم اكتشفت أنه كان يقودني إليك بطريقةٍ أنقى. صديقي يا الله، لم أجدك في الوراثة، بل في الحيرة. كلما حاولت أن أختزل الوعي إلى صدفة، وأن أختصر الأخلاق في مصلحة، وأن أشرح الحب بلغة كيميائية باردة، شعرت أن شيئًا في داخلي يحتجّ. كأن في هذا الوجود ميلًا خفيًا نحو المعنى، كأن الحياة ليست مجرد حادثٍ عابر في فراغٍ أعمى، بل اتجاه… صوتٌ صامت يقول إن العبث ليس الكلمة الأخيرة. لكنني أيضًا لم أستطع أن أختزلك في زمنٍ واحد. كيف أؤمن بإلهٍ يُحاصر في قرن؟ كيف أراك حكرًا على لغةٍ واحدة؟ إن كنتَ حقًا صديقي، فلا بد أنك كنت تخاطب البشر منذ البدء، كلٌّ بلغته، كلٌّ بمستواه، كلٌّ بخوفه وأحلامه. لا أستطيع أن أؤمن بأنك توقفت عند لحظةٍ تاريخية، ثم تركتَ البقية يتخبطون في صمت. أنت أوسع من ذلك. ونحن حين نختزلك نفعل ذلك لأن الاتساع يخيفنا. صديقي يا الله، علاقتي بك لم تكن مستقيمة. لم تكن صلاةً متواصلة ولا يقينًا لا يتزعزع. أحيانًا شعرت أنك تحملني، وأحيانًا شعرت أنك تقف في وجهي. كانت هناك ليالٍ قلتُ فيها: لماذا أنا؟ ولم أسمع جوابًا. ثم بعد سنوات، حين نظرتُ إلى الوراء، فهمت أن الصمت كان جوابًا مؤجلًا. كنت أراقب المشهد بعينٍ تحليلية. أبحث عن تفسيرٍ منطقي. عن سببٍ علمي يشرح كيف لا ننكسر. لكنني رأيت في أعين الناس شيئًا لا يُقاس. قوة لا تبدو اجتماعية، ولا عادةً موروثة، بل إيمانًا عميقًا يمنحها عمودًا داخليًا لا يُرى. هناك فهمت أنك لست فكرةً تُناقش فقط، بل حضورًا يُعاش. صديقي يا الله، أنت لست قانونًا فقط. ولست قائمةً من الأوامر والنواهي. أنت الرفيق الذي يمشي معي حتى حين أتعثر. أنت الصمت الذي يربكني كي أواجه نفسي. أنت المرآة التي لا تجاملني، واليد التي لا تتركني. أنا لا أدّعي يقينًا كاملًا. وأنت تعرف ذلك. الشك يزورني، وأحيانًا يطرق بقوة. لكنه لم يُلغِك يومًا، بل نقّى صورتي عنك. الإيمان الذي لم يُسائل نفسه، إيمانٌ مستعار. أما الإيمان الذي مرّ من النار، الذي تصدّع ثم أعاد بناء ذاته، فهو وحده الذي يصبح ملكًا للقلب، لا مجرد صدى للبيئة. صديقي يا الله، أنا لا أطلب أن أفهمك بالكامل. يكفيني أن أشعر أنك لست غائبًا. أن أعرف أن المعنى ليس وهمًا، وأن هذا القلب الذي يبحث عنك لم يُخلق ليبحث عبثًا. أمشي، أتعب، أخطئ، أعود، وأراك في كل مرةٍ بشكلٍ مختلف. أوسع قليلًا، أعمق قليلًا، وأقرب… كما لو أن الصداقة بين الإنسان والمطلق ليست وعدًا سهلًا، بل رحلةً لا تنتهي.
Mar 14
at
10:39 AM
Relevant people
Log in or sign up
Join the most interesting and insightful discussions.