كتب أحمد سمير عن جلسة الذنب عبر الحدود (7 سبتمبر):
كانت الأسئلة التي طرحتها كرمل مشغولة بالتضامن ومعناه وقدرته على تغيير الوضع القائم خصوصا في لحظة الإبادة، مشتبكة مع سؤال الذنب من دورنا حيال ما يحدث في غزة. كانت الجلسة ممتعة قبل أن تبدأ، بسبب القراءات المكثفة والمعمقة، وﻷن اختيارات كرمل كانت على ذوقي، بداية بكتاب وليد أبو دقة، الذي أعرف اسمه منذ وقت طويل وحين مات رشح لي أصدقاء كتبا متنوعة له، انضمت للأسف إلى قائمة طويلة من النصوص التي أريد أن أقرأها وغالبا ما تبقى هناك للأبد، هكذا كان ترشيح كرمل عباسي لكتاب "صهر الوعي، أو إعادة تعريف التعذيب" فرصة غير متوقعة لقراءة الرجل العظيم الذي قضى قرابة ٤٠ عامًا من عمره في سجون الاحتلال يكتب ويفكر ويدرس ويحلل، حتى قتل خلف القضبان بسرطان النخاع الشوكي، ومازالت إسرائيل تحتجز جثمانه وترفض تسليمه إلى أهله ليدفنوه.
اختارت لنا كرمل خمس صفحات ما بين ٣٥ حتى ٤٠، حيث يناقش أبو دقة عقيدة الصدمة واستخدامها كأداة لتعذيب الأسرى على يد المخابرات الأمريكية، حين يمحى العالم القديم ويكون لدى المحقق إمكانية زرع عالم جديد في دماغ المصدوم تتيح له التحكم فيه. يوسع أبو دقة في بقية الكتاب هذا المفهوم، حيث يشير إلى سعي الاحتلال إلى إذابة الوعي الفلسطيني في السجون وخارجها، مستغلا صدمات كثيرة يملك القدرة على إيقاعها بالأسرى والمجتمع الفلسطيني عموما، ثم إعادة تشكيل هذا الوعي بمفاهيم جديدة تستثني السياسة والوطن والقضايا الكبرى، لتنحصر في حدود المشاكل اليومية والطعام والشراب، بحيث لا يملك الفلسطيني مساحة للتفكير في غده ومستقبله وينحصر في قضايا الحياة الآنية، مستخدما مفاهيم فوكو في المراقبة والمعاقبة حيث يحلل أساليب السيطرة الحديثة التي لا تستلزم بالضرورة عنفا جسديا مباشرا، ومفهوم عقيدة الصدمة لناعومي كلاين.
الكتاب الثاني كان ترجمة لمقال جياتري سبيفاك الشهير "هل يمكن للتابع أن يتكلم؟" وهو من الكتابات التي شغلتني طويلا، وكتبت عنها كثيرا، كتابات مازلت حبيسة المخطوطات، المشكلة أن المقال الإنجليزي صعب، والترجمة العربية برأيي أسوأ وأكثر تعقيدًا، لكن سبيفاك باختصار تحاول أن تطرح سؤال قدرة المقهورين على التعبير عن أنفسهم، وقدرة النشطاء أو المهتمين بهؤلاء المقهورين على التضامن معهم وسماع ما يريدونه فعلا. لم تسنح الفرصة لمناقشة المقال خلال الجلسة، لكن أسئلة التضامن والتعبير عن هذا التضامن كانت حاضرة بقوة، دفعت كرمل في المناقشات إلى طرح القضية الفلسطينية كقضية سلطوية يستغلها الطغاة العرب لقمع شعوبهم، وهو طرح قد أتفق معه، لكنه برأيي ينتمي إلى عصر مضى وانتهى مع الأسد الأب والابن وصدام والقذافي، اليوم حتى التضامن الرمزي مع الإبادة الفلسطينية مجرم ومقموع بعنف قد يصل في بعض الأحيان إلى القبض على من يكتفون بالكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي.
أخيرا كان في القرءات كتابان آخران لحنة أرندت وهي من كُتابي المفضلين أيضًا، الأول "أسس التوتاليتارية" أو يمكن أن نقول الشمولية تسهيلا ﻷن التوتاليتارية مستعصية على النطق وصعبة في الكتابة، والثاني "آيخمان في القدس: تقرير حول تفاهة الشر"، في الأول استوقف كرمل سعي السلطات العربية أو القائد العربي فقد انحصرت هذه السلطات في فرد واحد أحد، إلى تطبيق هذه الإجراءات الشمولية عبر إذابة الطبقات والكتل الاجتماعية وتحويلها إلى جماهير دورها الهتاف للزعيم. أما في الكتاب الثاني حيث يظهر الإسرائيليون كالأبطال الذين يحاكمون الإبادة بينما هم يرتكبونها اليوم، نرى أيخمان ممثل الشر النازي البليد وهو يبرر جرائمه بأنه كان ينفذ الأوامر ويقوم بما يمليه عليه دوره الوظيفي لا أكثر.
سمعنا وشاهدنا أغنية الحلم العربي، كان الشخص الذي رفع الأغنية على يوتيوب قد زخرف الفيديو بعين كبيرة دامعة وأضاف اسمه "وليد" في زاوية الشاشة لنعرف مبدع هذه اللمسة البارعة، ثم نضفنا وداننا بالاستماع إلى الشيخ إمام في رائعته التحريضية يا فلسطينية، وهي برأيي من أجمل الأغاني التي قدمت عن فلسطين، لا ﻷنني منحاز للشيخ إمام وأحبه عموما، بل ﻷنها كما أشار الزملاء في المناقشة تمركز الصوت والنضال الفلسطيني وتسعى للالتحاق به ودعمه، لا مجرد بكائيات حزينة أقرب إلى جلسات النائحات المستأجرات في الحلم العربي.
امتدت المناقشات إلى العاشرة ﻷننا بدأنا متأخرا ساعة تقريبا حول السابعة، كان مكان المناقشة في مقر مدرار الجديد -لست متأكدا متى انتقلوا إليه- لكنه ظريف والغرفة التي شغلناها تحتل قمة المبنى، أتاح لنا التدخين في البلكونة الواسعة الفرجة على جاردن سيتي من الأعلى كان مشهدا مختلفا، غير جميل ﻷن الأسطح المحيطة كما في أحياء مصرية كثيرة كانت مليئة بالكراكيب وبقايا البناء لكنني مع ذلك أحببته. حين انتهينا تبادلنا اقتراحات مواصلة السهرة في مكان آخر، انتهينا للجلوس على قهوة علاء الدين في شارع أمين سامي، كان منظرنا أقرب للسواح ما حمس عم محمود القهوجي للترحيب بنا، لكن طلباتنا أحبطته (٧ شاي وواحد نعناع وواحد ينسون أستاذ محمد يحيى الوحيد اللي طلب مشروب أغلى شوية لمون نعناع، وأنا طلبت شيشة).