Make money doing the work you believe in

كتب أحمد منجي عن جلسة الذنب عبر الحدود (7 سبتمبر):

في جلسة النقاش قبل الاخيرة، أدارت الفنانة الفلسطينية كرمل العباسي حوارًا حول مفهوم "الذنب العابر" أو بشكل أخر ما اسميه "التضامن العابر للحدود". تناول النقاش حدود هذا التضامن وأشكاله المتغيرة عبر الأجيال، من التسعينيات حتى اليوم، والفجوة بين خطاب السلطة الرسمي في التعبير عنه والخطاب الشعبي كما طرحت الجلسة أسئلة: ما الذي يدفعنا كأفراد، مصريين وغير مصريين، للاهتمام بالقضية الفلسطينية؟ ولماذا يتظاهر الملايين حول العالم من أجل غزة؟ وما الذي بمقدورنا فعله في وجه المجزرة المستمرة؟

~

في البداية تخلت كرمل عن عرضها التقديمي المُعد سلفًا،وبشكل عفوي، حوّلت الجلسة إلى مساحة حوارية، متخذةً دور المُسائلة التي تطرح الأسئلة التي تدور في أذهاننا، حتى وإن ظلت إجاباتها معلقة. كانت هذه الاسئلة ذات ارتباط بمشروعها الشخصي عن مفهوم "الأسى الشبحي" (Spectral Grief)، و الشبحية تحديدا هي مفهوم اكتسب رواجًا وترند في الأوساط الأكاديمية النقدية، ويعود في جذوره إلى مفهوم "الهونطولوجيا" (Hauntology) للفيلسوف جاك دريدا. يصف المفهوم كيف أن أشياء من الماضي، رغم انتهائها، تعود لتسكن الحاضر كالأشباح، فتخلق حالة تجمع بين الحضور والغياب.

استهلت كرمل الجلسة بقراءة فقرات من كتاب الأسير الفلسطيني وليد أبو دقة، الذي رحل في سجون الاحتلال عام 2024. يربط أبو دقة في نصه بين التعذيب الجسدي الذي يتعرض له الأسير، وعقيدة الصدمة التي تستهدف الوعي الجمعي للأمم لزرع الخوف وإعادة تشكيله. فكما أن آليات التعذيب في غوانتانامو والعراق تهدف إلى كسر الفرد، فإن الصدمات السياسية والاقتصادية تهدف إلى كسر المجتمعات، فكلاهما يمهّد الطريق لإعادة تشكيل الوعي. وكما يقول أبو دقة: "المجتمعات المصابة بالصدمة أميل للتنازل عن مبادئها من أي وقت آخر". أعادني هذا الطرح إلى أدبيات "التروما الثورية" في مصر مابعد 2013، وكيف أن الهزائم السياسية، المصحوبة بالسجن والتنكيل، تدمر العوالم الذاتية للفاعلين وتدفعهم لإعادة تعريف أنفسهم وشكل الانشطة السياسية الممكن ممارستها في ظل وضع سياسي مختلف. 

وردًا على سؤال طرحته كرمل حول سبب الأولوية التي تحظى بها القضية الفلسطينية مقارنة بقضايا أخرى كالسودان أو الكونغو، أشرتُ إلى أن أهميتها لا تكمن في كونها قضية عادلة وممتدة فحسب، بل في هوية الطرف الآخر في الصراع. فإسرائيل ترتبط عضويًا بشعور أوروبا بالذنب تجاه اضطهاد اليهود على أراضيها، وهو الشعور الذي شكّل لاحقًا بذرة المشروع الاستيطاني. ولكن يبقى السؤال ايضا مهم للتفكير في حدود امكانياتنا النفسية في التضامن العابر للحدود وكذلك في إمكاناتنا للتضامن مع من لا يشبهنا، اتخيل مثلا انه شكل التضامن الأوروبي مع الأوكرانيين يختلف عن ما قد نحمله نحن من تضامن وتأييد للاوكرانيين. 

عرضت ايضا كرمل فكرة عن  التباين بين خطاب التضامن الرسمي والشعبي، خاصة في الأغاني. في الأغاني التي تمثل الخطاب الرسمي، مثل "القدس هترجع لنا" و"الحلم العربي"، تغرق في الغيبية والعاطفة الباكية التي تدعو للأسى أكثر مما تحث على الفعل. على النقيض، تأتي الأغاني الشعبية، مثل "يا فلسطينية" للشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم، لتحمل خطابًا تحريضيًا مباشرًا، يزرع المعرفة ويحض على المقاومة، وهو ما اتفق عليه أغلب الحاضرين.

كما ناقشنا الجدل الدائر حول فيلم كوثر بن هنية الجديد عن الطفلة هند رجب، وما أثاره من تساؤلات حول أخلاقيات العمل الفني في ظل المذبحة الدائرة وتحول المأساة الفلسطينية لمادة استهلاكية تراكم من رأس المال الثقافي لمنتجها وكيف يمكن إيجاد التوازن الأخلاقي والفني في ظل سياسات التمويل الثقافي ومتطلباتها. 

في النهاية، قادنا النقاش إلى سؤال أوسع وأكثر إلحاحًا: كيف تحول دور القضية الفلسطينية التي كانت دائمًا وقودًا للحراك الشعبي في مصر عبر العقود؟ هذا التراجع لم يقتصر على مصر، بل امتد ليشمل الخليج والمغرب العربية .  تدور اليوم انقسامات حادة حول جدوى الانخراط في المقاومة المسلحة، كما فلسطين ولبنان واليمن، حيث ليصبح ما كان يومًا قضية جامعة، محورًا للاستقطاب.

Sep 22
at
7:05 PM
Relevant people

Log in or sign up

Join the most interesting and insightful discussions.