Make money doing the work you believe in

في بطولة العالم، سقطت الفيفا أخلاقياً، وأصبح المطلب هو إقالة جياني إنفانتينو وإبعاده عن قيادة المنظمة “يكتب الزميل سامي مشعشع

الأزمة التي تواجه الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) باتت منذ زمن أزمة ثقة عميقة تمس جوهر المؤسسة ورسالتها. فالفيفا، التي يفترض أن تكون الحارس الأمين لقيم اللعبة الأكثر شعبية في العالم، تبدو اليوم، في نظر كثيرين، وخصوصاً في بلدان الجنوب، بعيدة عن مبادئ الحياد والمساواة، وقريبة أكثر من اللازم من مراكز النفوذ السياسي والمالي العالمي.

تحت قيادة جياني إنفانتينو، تآكلت صورة الفيفا كمؤسسة مستقلة تحكمها القواعد. ولعل أكثر المشاهد إثارة للجدل والغضب كان استحداث ما سُمّي بـ"جائزة السلام" وتقديمها للرئيس الأمريكي، في مشهد بدا للكثيرين أقرب إلى التزلف السياسي منه إلى أي قيمة رياضية أو إنسانية. فما الذي يدفع منظمة رياضية عالمية إلى اختراع جائزة من هذا النوع وتقديمها لزعيم سياسي؟ وما علاقة كرة القدم أصلاً بمنح أوسمة سلام لرؤساء الدول؟ بالنسبة لكثيرين، لم يكن المشهد سوى تعبير عن نزعة متزايدة لدى قيادة الفيفا للبحث عن رضا أصحاب النفوذ والتقرب من دوائر السلطة العالمية على حساب صورة المؤسسة واستقلاليتها.

وفي القضية الفلسطينية، تبدو ازدواجية المعايير أكثر وضوحاً. فعندما طُرحت مسألة الأندية الإسرائيلية المقامة في مستوطنات داخل الضفة الغربية، اختارت الفيفا الاحتماء خلف توصيفات سياسية وقانونية مثيرة للجدل، معتبرة أن وضع الأراضي الفلسطينية "معقد"، وأنها غير قادرة على حسم القضايا الجيوسياسية. بل ذهبت إلى توصيف الضفة الغربية باعتبارها "أرضاً متنازعاً عليها"، وهو توصيف يبتعد عن الإجماع الدولي وعن أحكام القانون الدولي.

ما هذا الهراء؟ إذا كانت الفيفا عاجزة عن التعامل مع القضايا الجيوسياسية، فلماذا لم تتردد في اتخاذ إجراءات سريعة وحاسمة وتعليق عضوية روسيا بعد "غزوها" أوكرانيا؟ كيف تصبح السياسة سبباً للتدخل في حالة، وسبباً للامتناع عن التدخل في حالة أخرى؟ هذا التناقض الصارخ، وهذه الازدواجية الفجة في المعايير، أمران لا يمكن قبولهما أو تبريرهما.

وهنا أشير إلى استغراب الكثيرين لمشاركة إنفانتينو في ما يسمى "مجلس غزة للسلام". فما طبيعة الدور الذي يلعبه رئيس الفيفا خارج الإطار الرياضي؟ وما علاقة ذلك بكرة القدم؟ ولماذا يجد رئيس أكبر مؤسسة رياضية في العالم نفسه منخرطاً في منصات سياسية لا تمت بصلة مباشرة لإدارة اللعبة؟ مثل هذه المشاركات لا تعزز صورة الفيفا كمؤسسة محايدة، بل تكرس الانطباع بأنها تنجرف أكثر فأكثر نحو فضاءات السياسة والعلاقات العامة.

أما فيما يتعلق باستضافة الولايات المتحدة لكأس العالم 2026، فقد كشفت الأحداث عن وجه آخر من أوجه الانتقائية الدولية. فالدول الغربية ووسائل الإعلام الغربية التي أمضت سنوات في انتقاد قطر قبل مونديال 2022، وروسيا قبله في عام 2018، تقف اليوم خرساء بكماء وعاجزة عن توجيه النقد إلى الدولة المضيفة الحالية وإجراءاتها التمييزية. اختفت فجأة الحملات الصاخبة، ولجان التدقيق الأخلاقي، والعناوين اليومية السلبية التي كانت تملأ الصحف والشاشات.

قضية المنتخب الإيراني في هذه البطولة تقدم مثالاً صارخاً على ذلك. فقد أشارت تقارير وانتقادات متداولة إلى فرض ترتيبات استثنائية على المنتخب الإيراني، من بينها فرض الإقامة خارج الولايات المتحدة والتنقل إليها لفترات قصيرة مرتبطة بالمباريات فقط، قبل العودة مجدداً إلى المكسيك. بمعنى آخر، يُسمح للاعبين بالدخول لخوض المباراة ثم المغادرة، وكأنهم ضيوف غير مرغوب فيهم في بطولة يفترض أنها كأس عالم لجميع الشعوب والدول دون تمييز.

كما أثيرت مسألة رفض دخول مشجعين إيرانيين كانوا قد اشتروا تذاكر المباريات بشكل قانوني. والأكثر إثارة للجدل، وفقاً للانتقادات الموجهة للفيفا، أن التذاكر لم تُسترد قيمتها لأصحابها، بل أُعيد طرحها للبيع مرة أخرى، في مشهد وصفه منتقدون بأنه يجمع بين الجشع التجاري والتخلي عن أبسط الواجبات الأخلاقية تجاه الجماهير التي تمثل جوهر اللعبة وروحها.

هذه الوقائع تعكس أزمة قيادة ورؤية وقيم داخل الفيفا، وتسيساً وازدواجيةً في المعايير وتآكلاً للثقة. السؤال لم يعد ما إذا كان ينبغي أن يرحل جياني إنفانتينو، بل كم من الضرر سيلحق بصورة اللعبة العالمية إذا استمر في منصبه. إن استعادة ثقة الجماهير والاتحادات الوطنية تتطلب إصلاحاً جذرياً وشاملاً في بنية الفيفا وآليات صنع القرار فيها، لكنها تتطلب أيضاً محاسبة سياسية وأخلاقية للقيادة الحالية.

ومن هنا، فإن استقالة إنفانتينو أو إقالته لم تعد مطلباً رمزياً أو انفعالياً، بل خطوة ضرورية لفتح صفحة جديدة تعيد الفيفا إلى دورها الطبيعي كمؤسسة رياضية عالمية مستقلة، وتعيد كرة القدم إلى أصحابها الحقيقيين: الجماهير.

ومرة أخرى، ليكن الفوز لفريق أفريقي أو عربي أو من أميركا اللاتينية. لا يهم!

وأخيراً، للنقطة الأهم: لعل المباريات القادمة تمنح الأحبة في غزة وجنوب لبنان متنفساً، ولو .مؤقتاً، من واقع يزداد قسوة ومرارة

Jun 13
at
1:15 AM
Relevant people

Log in or sign up

Join the most interesting and insightful discussions.