ما لن تعثر عليه في الصحافة العربية هذه الأيام هو مقال نعي مهني واحد عن إعلامي مخضرم وعتيد ذو خبرة طويلة وسيرة مهنية معتبرة وحضور رقمي مثير للجدل العام.
ستسمع طبلًا وزمرًا وهرجًا عابرًا، لكن أن يُكتب شيء، نعي صحفي إنساني ونقدي (obituary، يكون لائقًا وجادًا وفي حينه؟ لا يمكن. لن تجد سوى نتف خبريّة عن الراحلين، بلا أي اعتبار يليق بهم ولا بنا ولا بالتاريخ. النعي الصحفي المهني مادة تمنح تماسكًا ما ضروريًا في هذا الواقع العربي.. بماذا تحبّ أن أصفه؟ المَهين فلنقل.
رحل جميل عازر مطلع العام الجاري.. ماذا كتب عنه؟ محض أخبار فقط. طيب، ألم يُقعد المرض الرجل في الهزيع الأخير من عمره الطويل؟ ألم يفكر أحد بالحديث معه؟ بتدوين شيء من سيرته؟ بالحديث مع ذويه؟ في النظر في أوراقه ومكتبته وكراساته؟ كيف يمكن استرجاع هذا المفقود؟ بالذكاء الاصطناعي؟ بالحوارات الصدئة عن "النجومية التلفزيونية"؟
توفي جمال ريان، وكان مريضًا قبلها؟ هل جهّز صحفي ما، قريب منه، شيئًا غير البوستات الفيسبوكية التي تقول عن صاحب البوست أكثر مما تقول عن الراحل؟
طيب، حتى الصحفيون الشهداء في غزّة، المراسلون الذين ضربوا على صدورهم من أجل نقل الحقيقة على مدار الساعة أثناء الإبادة؟ ماذا كتب عنهم؟ من تحدث معهم قبل أن يموتوا (موتهم المتوقع والحتمي) قصفًا وقهرًا؟
في صحيفة كبرى مثل نيويورك تايمز، ثمة 3000 مسودة نعي جاهزة تقريبًا للنشر، لشخصيات يرتقب موتها أو قتلها أو اغتيالها.. أذكر مرة أني كتبت عن مسودة كاسترو في نيويورك تايمز، والتي كتبت قبل وفاته بعقود، ذلك أنّه كان مهددًا بالاغتيال والملاحقة، لكنه نجا. هذه ممارسة سائدة في كل الصحف المحترمة.
لم كل هذا التساهل مع الموت، موت الذاكرة وموت قصص الناس؟ كيف حصل؟ ولماذا يستمر؟
في كتابها عن هشاشة الحياة، تتحدث بتلر عن النعي ووظيفته، وكيف أنّه هو الحدّ (في الثقافة الغربية نشطة الصحافة) الذي يميّز الحياة المستحقة للعزاء في الحيز العمومي عما عداها، وتتحدث عن كيفية توزيع هذا الاستحقاق وشكله. النعي هو اعتراف لاحق أخير، فرصة أخيرة لإطالة حبل الحياة/الذاكرة. بل للنعي بحسب بتلر وظيفة أخرى ذات صلة ببناء المجتمع والدولة.
هل غياب النعي دلالة جديدة على موت المجتمع/الدولة؟
هل بات الموت كثيرًا وغامرًا إلى هذا الحد؟