ماذا يفقد دماغك حين تترك الحفظ للشاشة؟
في إحدى التجارب التي أُجريت في جامعة كولومبيا، طُلب من مجموعة من المشاركين قراءة معلومات قصيرة. أُخبر بعضهم أن هذه المعلومات ستُحفظ ويمكن الرجوع إليها لاحقاً ، بينما أُخبر الآخرون أن الملفات ستحذف بعد التجربة. بعد فترة، طُلب من الجميع تذكر ما قرأوه. النتيجة كانت واضحة: الذين علموا أن بإمكانهم العودة إلى الملفات تذكّروا أقل بكثير من الذين ظنوا أن المعلومات ستحذف.
هذه النتيجة كشفت عن ظاهرة أطلق عليها العلماء اسم تأثير جوجل
أي أن الدماغ يقلل من جهده في الحفظ عندما يعرف أن المعلومة متاحة خارجه ويمكن الوصول إليها بسهولة.
هذه الفكرة ليست جديدة. قبل أكثر من 2000 عام، رفض سقراط الكتابة وعدّها خطرًا على التفكير والذاكرة!
في إحدى محاوراته التي نقلها تلميذه أفلاطون، حذّر من أن الاعتماد على الكتابة سيجعل الناس يبدون وكأنهم يعرفون، بينما هم في الحقيقة يعتمدون على رموز خارجية بدلاً من عقولهم.
رأى أن المعرفة الحقيقية يجب أن تعاش في الذهن، لا أن تُخزَّن على الورق.
ما قاله سقراط عن الكتابة ينطبق اليوم على الإنترنت. الفرق أن أدوات التذكّر تغيّرت، أما الفكرة فبقيت نفسها: كلما سلم الإنسان ذاكرته إلى وسيلة خارجية، قلّت حاجته إلى استخدامها داخليًا.
كيف يؤثر ذلك على الدماغ؟
الدماغ بطبيعته جهاز اقتصادي. لا يخزن كل ما يمر به، بل يختار ما يراه ضروريًا للبقاء أو الفهم. وعندما يتأكد أن المعلومة محفوظة خارجه، يقرر ألا يرهق نفسه بحفظها. هذه العملية ليست خللًا، بل آلية تكيف طبيعية. لكنها، مع الاستخدام المفرط، تجعل الذاكرة أضعف، لأن ما لا يُستخدم يضمُر
رغم ذلك، لا يمكن القول إن الاعتماد على الإنترنت شر مطلق. دراسات حديثة تشير إلى أن البحث النشط وتحليل المعلومات عبر الإنترنت يمكن أن يعزز الفهم والذاكرة العاملة، لأن الفرد يشارك في التفكير بدلاً من التلقي. الخطر لا يأتي من الأداة بل من طريقة استخدامها.
الكتابة في زمن سقراط أضعفت الحفظ لكنها سمحت بنقل المعرفة وتراكمها. والإنترنت اليوم يقلل من التذكر المباشر لكنه وسّع قدرة الإنسان على الوصول إلى المعرفة وتنظيمها.
في كل عصر تتغير وسيلة الحفظ، لكن يبقى السؤال نفسه: هل نستخدم الوسيلة لتقوية التفكير، أم لنرتاح من عنائه؟
للحفاظ على ذاكرة نشطة في عصر السرعة، يحتاج الإنسان إلى وعي متعمد:
إعادة صياغة ما يتعلمه بأسلوبه قبل تخزينه.
اختبار قدرته على التذكر دون الرجوع الفوري إلى الهاتف.
ربط المعلومات الجديدة بمعارفه السابقة حتى يرسخها في ذاكرته.
في النهاية، لم يكن سقراط ضد المعرفة، بل ضد الاكتفاء بها دون تفكير. وما نحذَر منه اليوم ليس الإنترنت نفسه، بل أن يتحول إلى بديل عن الوعي.
المصادر :
thedecisionlab.com/bias…
scholar.harvard.edu/fil…
historyofinformation.co…