The app for independent voices

لطالما كانت نظرة الأدباء إلى الحب نظرة أنانية، ولربما الحب في ذاته أناني..! فأن تحب وتصل إلى الهوس يعني أنك أحببت صورة الشخص التي قمت بتكوينها في عقلك أكثر من ذاته المتفردة الحقيقية! أو أن يصبح المحبوب للحبيب منقذًا من قهر الذات، منفذًا للهروب، سطحًا بهواء عليل يتسلقه المرء بالحب، ليعيش الشعور والوهم أما الحبيب فما هو إلا سلم ارتقاء إلى الأعلى…، لا أعلم ماهية الحب خارج الأدب! ولعل الحب لا يتواجد إلا في الأدب، ولعل أرقى تصوراته هو التوق الفكري، التلاؤم، الانسجام؛ أن يحن عقلك لذاته فيمسي مبحراً في الاخرين ليعكس حاجته فيلقى نفسه عبر غيره ! او ان ذاك العقل الملحد بالشعور، يتملكه الحنين لمن يلمس لغته، لمن يغذي وجوده، لمن يبقيه مرتبطًا بالأرض، لمن يعطيه الحياة! كي يتجدد، ينبض، يكتب ويكتب ويكتب…!

وقد رأيت الحب في صور متعددة في الادب مثلا في "آنا كارنينا" لتولستوي، نرى آنا لا تحب فلاديمير فورنسكي بقدر ما تحب الصورة الرومانسية التي يمثلها: التحرر من قيود الزواج البارد، الشغف الذي يعيد إليها إحساسها بالحياة، لكن هذا الحب يتحول تدريجيًا إلى هوس أناني يدمرها ويدمر من حولها. وفي "مدام بوفاري" لغوستاف فلوبير، تُجسّد إيما بوفاري نموذجًا صارخًا لهذا الإسقاط: فهي لا تحب عشيقيها (رودولف ثم ليون) كأشخاص حقيقيين بقدر ما تحب الأحلام الرومانسية التي تقرأ عنها في الروايات، فتُلبس الرجال أردية الأبطال الوهميين، ثم تنهار عندما تكتشف الفرق بين الخيال والواقع. وفي "البحث عن الزمن المفقود" لمارسيل بروست (خصوصًا في جزء "غرام سوان")، يُظهر بروست كيف يقع سوان في حب أوديت لأنها تُذكّره بصورة فنية معينة (لوحة بوتيتشيلي)، فيحب نسخة ذهنية منها أكثر من كيانها الفعلي ! مما يجعل الحب اشبه بالمرضً النفسي يُولد من الوهم والإسقاط…، وأعتقد أن الأديب ذكي في الحب، لأنه سيكتب وهو فيه، وسيكتب عندما يغادره؛ ذلك لأن دوام الشعور والعلاقات خصوصًا في الحب مستحيل! فأن تطارد الحب يعني أن تطارد توأم التعاسة الملازم له. لذلك الحب معلوم بالحزن، والكاتب أو الأديب سيحب ليحزن، سيكتب عما به، وعما جال بمحبوبه، وعما سيبقى به بعد رحيل محبوبه...هوس كان! أم توافق عقلي، أم حميمة جسدية، كل ما كان هو استغلال موفق من الأديب للاستفاضة والحياة من هذه التجربة. ولعل لهذا تجذبنا الكتب وتشعل في داخلنا رغبة التجربة؟ ذاك لأن الحب مغامرة لا يخوضها إلا ذوو فصاحة العقل، يقظة القلب، وراغبون في الحزن لمدى طويل جدًا جدًا جدًا.

وكما قال نزار قباني في الحب :

علمني حبك..،

أن أحزن وأنا محتاج منذ عصور لامرأة تجعلني أحزن….،”

-مما جال في عقلي عن الادباء والحب-

Mar 19
at
9:50 PM
Relevant people

Log in or sign up

Join the most interesting and insightful discussions.