Make money doing the work you believe in

‫هذا المقالُ مسعى حسنٌ في بيانِ فضلِ تاريخنا وتنوّعه، وأشكركِ عليه، بِصدق، بيد أنّه استوقفني مباحثُ تستوجب ردّ الأمور إلى نصابها، وتنزيه الحقائق التّاريخيّة عن الاستسلام للمرويّات المستشرقة التي شاعت حتّى ظنّها العربيُّ والمُسلمُ حقًّا مسلَّمًا.‬

‫إنّكِ أوّلًا جنحتِ في تفسير نشأة الموشّحات إلى التماس التّعليل بامتزاج الأعراق في الأندلس، وإثبات أثرٍ للعجم والرّوم، بحسن نيّةٍ ورغبةٍ في التّوفيق ومقاربة المسألة من منتصفها. لكن هذا رأيٌ يمتنع صحّته بالاعتبار الزّمنيّ والتّاريخيّ المحض. فنظريّة الأصول الإسبانيّة للموشّحات (التي اجتهد المستشرق «خوليان ريبيرا» في إشاعتها، بالمناسبة)، تسقط بالضّرورة الرّياضيّة إذا نحنُ نظرنا إلى تاريخ ظهور شعر «التّروبادور» الأوروبيّ، فقد ظهر في القرن الخامس الهجريّ (الحادي عشر الميلاديّ)، بينما كان ابتكار فنّ الموشّحات على يد المُقدَّم بن معافى القَبْريّ في أواخر القرن الثّالث الهجريّ، كما تفضّلتِ. والقاعدة العقليّة تقضي بأنّ السّابق مُؤثِّر واللّاحق مُتأثِّر، فيستحيل نسبة الأصل إلى الفرع، والأوروبيّون هم مَن استنسخوا صنيع الأندلسيّين وانتحلوا أوزانهم، ويمتنع تاريخيًّا وقوع العكس.‬

‫وأوردتِ دعوى خروج الموشّحات عن نظام الخليل الصّارم لِتَسَع المزاج المتعدّد العرقيّات، واستشهدتِ بأشهر ما نُظِم في هذا الباب كدليلٍ على ذلك التّمرّد. لكن… «جادك الغيث» للسان الدّين بن الخطيب، و«أيّها السّاقي» لابن زُهر، تجريان في الحقيقة على أوزانٍ عربيّة صميمة لا شِيَة فيها 😅 أمّا التّجديد فقد حصل، لكنّه انحصر في الهندسة البنائيّة للقصيدة، من حيث تجزئتها إلى أدوارٍ وأسماطٍ وأغصان، دون الانسلاخ حقًّا من عمود الإيقاع العربيّ الأثيل. والموشّحات التي خُلّدت في صحاح الأدب وسارت بها الرّكبان هي عينُها التي استمسكت بالإيقاع الخليليّ، أمّا المحاولات الشّاذّة فقد اندثرت لاستحالة تذوّقها في الأسماع العربيّة الصّافية.‬

‫وتتأكّد عروبة هذا الفنّ خلقًا وتطويرًا بالنّظر في أنساب أربابه ومخترعيه؛ فالمبتكر الأوّل مُقدَّم بن معافى القَبْريّ عربيّ، ومَن أحكم صنعته وهذّب قواعده هو عُبادة بن ماء السّماء الأنصاري، وهو الآخر عربيٌّ خالص. وأصحاب الرّوائع الخالدة تتّصل أنسابهم بصريح العرب، كابن الخطيب المنتهي نسبه إلى قبيلة طيِّئ، وابن زُهر يعود إلى إياد، وابن باجّة التُّجيبيّ الكِنْديّ. وإذا اعترض معترض بوجود ألفاظ أعجميّة أو عاميّة في «الخَرْجة» دليلًا على أثر العجم، فمردّ ذلك يقينًا إلى قصد الشاعر إظهار براعته وتفنّنه في استيعاب «لغة الشارع» وتطويعها صنعةً واستعراضًا للمقدرة البلاغيّة. وممّا يؤيّد هذا المسلك الاستعراضيّ صنيع ابن سناء الملك حين رام نَظْم موشّحاتٍ مشرقية، فعمد إلى حشو خرجاتها بألفاظٍ فارسيّة إظهارًا للظَّرف والتّمكن، جريًا على سُنّة الأندلسيّين في التّظرف واستعراض القوّة اللغويّة العابرة للألسن.‬

‫ثمّ العجب كلّ العجب من إقحامكِ لاسم زرياب وتلاميذه في هذا المساق؛ فالتاريخ يسجّل وفاة زرياب بمدينة قرطبة سنة مائتين وثلاث وأربعين للهجرة، بينما استقرّ تاريخيًّا ظهور أوّل موشّحة أندلسيّة في أواخر القرن الثالث الهجريّ (نحو سنة ٢٩٠ هـ) على يد القَبْريّ. وبين الحدثين فجوة زمنيّة تربو على نصف قرن، يستحيل معها تعليق نشأة الموشّح أو توجيه صياغته بزرياب أو مدرسته الغنائيّة.‬

‫نعم، طوّر زرياب العود وأضاف وتره الخامس ورسّخ طرائق الغناء المشرقيّ الحجازيّ، لكنّه مضى سبيله قبل أن يُولد فنّ الموشّحات ويُعرف له رسم.‬

‫ولعلّ الوجه المقبول الذي يصحّ به استشهادك بزرياب، هو تأكيد حقيقةٍ غابت عن ذهن القائلين بالانفصام الأندلسيّ؛ وهي بقاء الأدب الأندلسيّ بغنائه وشعره مستمسكًا بجذوره المشرقيّة العربيّة، يدور في فلكها وينهل من معينها الأصيل، وكان خروجه الظّاهر في بعض التصاريف تنويعًا داخل البيت العربيّ الواحد، ومنحصرًا في إطاره الأصيل.‬

‫‬

May 20
at
9:52 AM
Relevant people

Log in or sign up

Join the most interesting and insightful discussions.